الشيخ محمد رشيد رضا
38
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كان يكفي في الإطعام تمرة أو تفاحة لأنه يقال لغة : أطعمه تمرة أو تفاحة - يكفي ما ذكر من الكسوة ، والأول باطل بالاجماع والثاني مثله وان اختلف فيه ، وقد اختلف في لفظ الكسوة هل هو مصدر كالإطعام أو اسم لما يلبس ، والمراد لا يختلف . ثم إن هذه الثلاثة التي خير اللّه الناس فيها مرتبة على طريقة الترقي ، فالاطعام أدناها والكسوة أوسطها والاعتاق أعلاها - كما قلنا - وهو معلوم بالبداهة . فلو أريد من الكسوة ما يشتمل القلنسوة والعمامة لم يكن ذلك من الترقي ولم يظهر لجعل الكسوة بعد الاطعام وقبل الاعتاق نكتة وروي عن الحسن وابن سيرين ان الواجب ثوبان ثوبان . وروى الثاني عن أبي موسى أنه فعله . وعن سعيد بن المسيب عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها ، وعن الامام أبي جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبي مالك والحسن في رواية عنه ثوب ثوب . والمراد به كما صرح به إبراهيم النخعي ثوب جامع كالملحفة والرداء ، وكان لا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوها جامعا . وعن مجاهد أعلاه ثوب وأدناه ما شئت . وروى العوفي عن ابن عباس : عباءة لكل مسكين أو شملة . وعن مالك وأحمد : يدفع لكل مسكين ما يصح أن يصلي فيه ان كان رجلا أو امرأة كل بحسبه . وهذا يوافق ما اخترناه لأن الناس يصلون عادة بثيابهم التي يلقون بها الناس ، وكذا ما قبله الا قول مجاهد وأما تحرير الرقبة - وهو أعلى الثلاثة - فمعناه اعتاق الرقيق ، فالتحرير جعل القنّ حرا . والرقبة في الأصل العضو الذي بين الرأس والبدن ، ويعبر بها عن جملة الانسان ، كما يعبر بلفظ الرأس عن الجملة - وغلب هذا في الانعام - وبلفظ الظهر عن المركوب . وغلب استعمال الرقبة في المملوك والأسير ، ويستعمل في الشرع في مقام التحرير ( العتق ) وفك الاسرى ، كقوله تعالى ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) والذي يسبق إلى فهمي أن سبب التعبير عن المملوك والأسير بكلمة الرقبة هو ما فيها من الدلالة على معنى الخضوع ، فان المملوك يكون بين يدي السيد منكس الرأس عادة ، وانما تنكيسه بحركة الرقبة ، وكذلك